عبد العزيز عتيق

108

علم البيان

ومنه كذلك قول ابن شهيد « 1 » الأندلسي يصف برغوثا : « أسود زنجيّ . أهليّ وحشيّ . . . كأنه جزء لا يتجزأ من ليل ، أو نقطة مداد ، أو سويداء فؤاد . . . » فالغرض من التشبيهات الثلاثة هنا هو بيان مقدار حال المشبه ، لأنه لما وصف البرغوث بالسواد أراد أن يبيّن مقدار هذا السواد . فالغرض من التشبيه عند عنترة والمتنبي وابن شهيد هو بيان مقدار حال المشبه ، أي بيان مقدار صفته المعروفة فيه قبل التشبيه معرفة إجمالية . 4 - تقرير حال المشبه : أي تثبيت حاله في نفس السامع وتقوية شأنه لديه ، كما إذا كان ما أسند إلى المشبه يحتاج إلى التأكيد والإيضاح بالمثال ؛ وذلك نحو قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ . فالآية الكريمة تتحدث في شأن عبّاد الأوثان الذين يتخذون آلهة غير اللّه ، وتصفهم بأنهم إذا دعوا آلهتهم لا يستجيبون لهم ، ولا يعود عليهم دعاؤهم إياهم بفائدة . وقد أراد اللّه سبحانه أن يقرّر هذه الحال ويثبتها في الأذهان ، فشبّه هؤلاء الوثنيين بمن يبسط كفّيه إلى الماء ليشرب فلا يصل الماء إلى فمه بداهة ، لأنه يخرج من خلال أصابعه ما دامت كفّاه مبسوطتين . فالغرض من التشبيه هنا تقرير حال المشبه . ومن أمثلة هذا الغرض أيضا قول الشاعر : وأصبحت من ليلى الغداة كقابض * على الماء خانته فروج الأصابع فحال الشاعر مع صاحبته ليلى هي حال من كلما دنا منها بعدت عنه ، أو حال من كلما أوشك أن يظفر بها أفلتت منه ، وقد أراد الشاعر أن

--> ( 1 ) من أدباء الأندلس وشعرائهم ، له شعر جيد ومؤلفات قيّمة . توفي سنة 426 ه .